إنّ التعريف بأصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام ليس من أجل معرفة ذلك الإمام الهمام ، ولا من أجل أن نعدّ ذلك فضيلة له سلام الله عليه، لأنه هو بنفسه منبع جميع الفضائل والكمالات، وإن سطوع أصحابه وأنصاره الأوفياء مستمدّ من نبعه المتدفّق على الدوام. وقد لفتت هذه المسألة أنظار أصحاب الفكر من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، حيث يقول عبد الرحمن بن الحجاج: (كنا في مجلس أبان بن تغلب، فجاء شاب، فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال له أبان: كأنك تريد أن تعرف فضل علي بمَن تبعه مِن أصحاب رسول الله (ص)؟! قال، فقال الرجل: هو ذلك. فقال: واللهِ ما عرفنا فضلهم إلا باتّباعهم إياه)(1) ويقول ابن أبي الحديد: (ثم أيّ حاجة لناصري أميرالمؤمنين أن يتكثّروا بخزيمة، وأبي الهيثم، وعمّار وغيرهم! لو أُنصف هذا الرجل ورأوه بالعين الصحيحة، لعلموا أنه لو كان وحده، وحاربه الناسُ كلّهم أجمعون، لكان على الحق، وكانوا على الباطل) (2)

نقصد بـ(الأصحاب) في عملنا الحاضر ثلاث مجموعات من الأفراد: الأولى الأصحاب المؤمنون الصادقون الأوفياء لأميرالمؤمنين عليه السلام، الذين أذعنوا لأوامر إمامهم عن عِلم ومحبة، فلم يميزوا في هذا الشأن بين التعب والراحة، والسلامة والمرض، والحرّ والبرد، والسفر والحضَر؛ أما المجموعة الثانية فهم الأفراد الذين كانوا مع أميرالمؤمنين (ع) فترة من الزمن، ثم انفصلوا عنه لأسباب مختلفة، فاختاروا العُزلة، ثمّ لم يتحرّكوا مع الإمام ولا ضدّه. وأما المجموعة الثالثة فهم الأفراد الذين اشتركوا مع أميرالمؤمنين (ع) في الحرب والسلم، ثمّ خدعتهم إغراءات الدّنيا بعد مدّة، أو تحجروا في قوقعة الجهل ووساوس الشيطان، فخالفوا إمامهم مخالفة جدية وعلنية؛ وهؤلاء الأفراد في المجموعات الثلاثة من الأبرار والأشرار هم من جيش أميرالمؤمنين (ع) وأصحابه. ولا يعترينا الشك في أن أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام الحقيقيين هم أفراد المجموعة الأولى؛ أما أفراد المجموعتين الأخريين فقد كان لهم نوع من الصحبة، على الرغم من عدم وفائهم ومن نقضهم العهد، ويمكن أن ندعوهم بـ(الأصحاب) بتسامح كبير. وقد كان أميرالمؤمنين (ع) في الخطب التي أوردها أواخر حياته الشريفة يتأسّف ويتلهّف تارة على الفراغ الوجوديّ الذي خلّفه أصحابه المحبّون الذين كانت الولاية محور حياتهم، من أمثال مالك الأشتر وعمار بن ياسر وابن التيهان وذي الشهادتين ونظرائهم، وكان يقول (أين عمار ؟ أين ابن التيهان ؟ أين...)(3)، كما أنه عليه السلام كان يتألّم تارة أُخرى من فتور وتراخي وضعف إيمان الفئة الباقية من أصحابه من المجموعتين الثانية والثالثة، ويناديهم تارة أُخرى بـ(أشباه الرجال ولا رجال) (4).

ولذلك فإننا حين نستخدم كلمة (الأصحاب) في شأن الأفراد المنتسبين إلى حكومة أميرالمؤمنين عليه السلام وفي دائرة أمره ونهيه ـ بما فيهم قويّ الإيمان وضعيفه ـ فقد يرد السؤال التالي: ما هو النفع الحاصل من ترجمة الأفراد ذوي الإيمان الضعيف، أو الذين أصبحوا فيما بعد من أعداء أميرالمؤمنين (ع) وخصومه؟ والإجابة هي: أولاً: أن التعرّف على عاقبة هؤلاء الأفراد مدعاة للاعتبار، أي أن على المؤمنين أن ينتبهوا لئلا ينزلقوا في مسيرتهم فيغترّوا ببعض أعمالهم الحسنة، فتأسرهم شباك الشيطان وأحابيله. وثانياً: انّ نقد وتحليل حكومة أميرالمؤمنين (ع)  أمرٌ متعذّر من دون التعرّف على ملامح المجموعتين الأخيرتين؛ حتى أن فهم بعض من خطبه ورسائله في نهج البلاغة أمرٌ مرهون بمعرفة هؤلاء الأفراد. وقد يسأل البعض: أيمكن أساساً تسمية مثل هؤلاء الأفراد بـ(الأصحاب)؟ ونقول بأن قصدنا من (الصحابي) في هذا الكتاب مجموع الأفراد الذين كانوا قرب الإمام (ع)، وكانوا في معرض خطابه وعتابه، أو مدحه وثنائه، والذين قُدّر لهم أن يكونوا ضمن جيشه وعمّاله والمحيطين به.​

تم الاعتماد في هذا العمل على كتاب ( أصحاب الامام علي عليه السلام ) تأليف سماحة آية الله السيد أصغر ناظم زاده القمي حفظه الله 


(1) رجال النجاشي: ص9؛ نقلاً عن (أمان الأمة من الضلال والاختلاف): ص25 .

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 516.

(3) أنظر: نهج البلاغة، الخطبة 182 .

(4) نفس المصدر، الخطبة 27 .